الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
188
تفسير روح البيان
العدل والمؤاخذة بالجريمة والثواب للعمل في أصحاب الجنة فإذا حشروا في صعيد واحد بمعزل عن الناس بعث فيهم نبي من أفضلهم وتمثل لهم نار يأتي بها هذا النبي المبعوث في ذلك اليوم فيقول لهم انا رسول اللّه إليكم فيقع عند بعضهم التصديق به ويقع التكذيب عند بعضهم ويقول لهم اقتحموا هذه النار لأنفسكم فمن إطاعتي نجا ومن عصاني وخالف امرى هلك وكان من أهل النار فمن امتثل امره منهم ورمى بنفسه فيها سعد ونال ثواب العمل ووجد تلك النار بردا وسلاما ومن عصاه استحق العقوبة ودخل النار ونزل فيها بعمله المخالف ليقوم العدل من اللّه تعالى في عباده هكذا ورد في صحيح الاخبار فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا اى سبقت لهم الشقاوة وقضى لهم بالنار فَفِي النَّارِ اى مستقرون في جهنم كأن سائلا قال ما شأنهم فيها فقيل لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ الزفير إخراج النفس بقوة وشدة والشهيق رده واستعمالهما في أول ما ينهق الحمار وآخر ما يفرغ من نهيقه وفيه استعارة تصريحية فان المراد تشبيه صراخهم بأصوات الحمير فكما ان الحمير لها أصوات منكرة كذلك لهم أصوات منكرة في جهنم كما يشاهد ذلك في أهل الابتلاء في الدنيا لا سيما عند الصلب أو الخنق أو ضرب العنق أو قطع اليد أو نحوها فان لبعض المجرمين حينئذ خوارا كخوار البقر يتغير صوته كما يتغير لونه وحال الآخرة أشد من حال الدنيا الف مرة خالِدِينَ فِيها مقيمين دائمين فيها حال مقدرة من ضمير الاستقرار في الظرف وهو قوله في النار هذا ان أريد حدوث كونهم في النار وقال بعضهم لا حاجة هنا إلى جعل الحال مقدرة كما في قوله تعالى فَادْخُلُوها خالِدِينَ لان الخلود بعد الدخول وهي هاهنا حال من استقر فيها فلا حاجة إلى التقدير ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ ما مصدرية والمصدر المؤول قائم مقام الظرف . والمعنى مدة دوامهما وهو عبارة عن التأبيد ونفى الانقطاع على عادة العرب وذلك انهم إذا وصفوا شيأ بالابد والخلود قالوا ما دامت السماوات والأرض لأنهما باقيتان ابد الآباد على زعمهم فمثلوا ما قصد تأبيده بهما في عدم الزوال فورد القرآن على هذا المنهاج وان أريد تعليق قرارهم فيها بدوام السماوات والأرض فالمراد سماوات الآخرة وارضها وهي دائمة مخلدة ويدل عليه قوله يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ وقوله وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ وان أهل الآخرة لا بدلهم من مظل ومقل اما سماء يخلقها اللّه فتظلهم أو يظلهم العرش وكل ما علاك فاظلك فهو سماء وكل ما استقرت عليه قدمك فهو ارض ولا فساد في التشبيه بما لا يعرف أكثر الخلق وجوده ولا مانع ونظيره تشبيه الشيء بالكيمياء أو بمدينة ارم وغير ذلك [ حضرت شيخ قدس سره در فتوحات آورده كه دوام آسمان وزمين از حيثيت جوهر ايشان مرا دست نه از حيثيت صورت ايشان ] وقال أهل التأويل سماوات الأرواح والقلوب وارض النفوس والبشرية إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ استثناء من الخلود في النار لان بعض أهل النار وهم فساق الموحدين يخرجون منها وذلك كاف في صحة الاستثناء لان زوال الحكم عن الكل يكفيه زواله عن البعض ويجوز اجتماع الشقاوة والسعادة في شخص واحد باعتبارين كما قال في التأويلات النجمية إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ من الأشقياء وذلك لان أهل الشقاوة على ضربين شقى وأشقى